Archive pour août 2013

دور الرسالة في بناء الدولة الوطنية المستقلة واستكمال مسار التحرر الوطني؟ مقال بقلم الأستاذ انيس اللوز عضو الهيئة التأسيسية لحركة وفاء

Lundi 12 août 2013

 

إن مصطلح الرسالة يعبّر على مشروع والمشروع يتطلب برامج وآليات لتنفيذه على ارض الواقع  والقدرة على إدارة شؤون المواطن وقضاء حاجاته المادية وحتى الروحية و ذلك هو تعريفنا للسياسة فالسياسة لدينا في حركة وفاء هي مشروع متمثل في رسالة وليس ايديولوجيا فالايديولوجيات تخلق التعصب و التباغض والرسالة تمنحنا التعاون والترابط و الرفي والتحرر من كل أشكال الهيمنة والتبعية هذا المشروع مرتبط بهويتنا في إطار كوني فإن كانت الحضارة الغربية مبنية على الفلسفة ولا تنضر إلا للجانب المادي فالحضارة العربية الاسلامية قامت على الرسالة التي تحمل مشروعا كونيا يبدأ  بوحدة المجتمع وتحرره  مرورا بالنهوض بالأمة الاسلامية وهي رسالة فريدة  فهي تمزج المادة بالروح وتوفق بين القلب والعقل وتوازن بين حرية الفرد ومصلحة المجتمع ومنفتحة على العلم فهي رسالة حضارية منتفتحة على الآخر فالرسالة العربية الاسلامية هي الصورة اليقظة للفكر والمولدة للهمة والدافعة للفعل والبناء والتحرر  فلقد حمل المشروع التغريبي الاستعماري والبورقيبي والنوفمبري في طياته تصحرا في الدولة على جميع الأصعدة تقريبا فأضاع التونسي روح حضارته كما راى شيخنا محمد الفاضل بن عاشور في كتابه « روح الحضارة الإسلامية وأصبح غريبا عن رسالته .. فخارت قدرته على البناء والفعل و التحرر فالمدنية التي هجمت عليه لم يساهم في بنائها او رسم معالمها بل هو اسيرها وعامل سلبي داخلها اذ فقد فقد معاني رسالته في القدرة على الفكر والفعل المتولد من الايمان والسلوك والخلق فكان التحلل الخلقي  وكانت السلبية والتبعية و العمالة لأصحاب المدنية الوافدة  فحتى ابن خلدون ارجع فساد الدولة وتدهور حال الرعية الى الحق والباطل والى حسن القصد وسوء القصد بحسب ما يكون في نفوس الرعية من احترام للعقود والأمانة وفي سلوكهم من اخلاص وتفان واستقامة …نحن امة ذات رسالة حضارية توافق الفطرة وتدفع للعمل والعمران..رسالة العدل والأمانة والمال الصالح والعلم والإيمان بالقيم ..رسالة التسامح والانفتاح والحرية الخادمة للفضيلة والمصلحة العامة …كل تونسي بهذا المعنى هو مواطن صاحب سيادة وكرامة يتمتع بحقوق ويلتزم بواجبات وهو أيضا صاحب رسالة ذات ضوابط عربية اسلامية كل حسب موقعه تتحدد رسالته  يصبح المواطنون بهذا المعنى أصحاب مشاريع بل هم ساسة أنفسهم وسادتها وجب علينا استرجاع روح حضارتنا لاستكمال مسار التحرر الوطني وبناء الدولة الوطنية المستقلة من خلال تكريس الفكر الايجابي لدى الناشئة عبر قنوات التربية ..فكر  وطني متحرر فاعل ومؤمن بخصوصية مجتمعنا العربي الاسلامي.

 لقد ساهم عدم سيطرتنا على مصائرنا وتجفيف منابع قيمنا وتنكرنا لهويتنا وخصوصيتها  لعقود في عدم قدرتنا على تأمين حاجياتنا المادية وحتى المعنوية ايضا لذلك تجد الكل متعطش للقيم في مجتمعنا ..لقد تم اخراج التونسي والعربي عموما من سياقه الحضاري العربي الاسلامي الى سياق غربي فيه نموذج حضاري دخيل كرسته  السياسة الاستعمارية وأنظمة العمالة  نموذج حضاري يلبس رداء الكونية يسلبنا خصوصية ثقافتنا ويخنق اهم مكون فيها وهو الدين بل ويضعه في موقع مسائلة وشبهة..اننا لا ندعو في حركة وفاء الى القطيعة مع الغرب وإنما ندعو الى اعادة توزيع نمط العلاقة بيننا وبين الغرب من علاقات عمودية يسيطر فيها علينا ويحاول طمس خصوصيتنا  وملامح هويتنا الضائعة ويفرض علينا بضاعته ومفاهيمه  ومرجعياته المسقطة الى علاقة افقية نصالح من خلالها ذواتنا وثقافتنا ونرجع  من خلاله في فعل البناء التاريخي بعد ان اخرجنا منه قسرا لعقود من خلال الاغتراب الوحشي الذي طال كل شيء…علينا بناء نموذجنا نحن لا اعادة انتاج فكرهم  واجترار معارفهم ومفاهيمهم  … نموذجنا الحضاري العربي الاسلامي وعلينا أن نسيطر عليه ونستوعبه ولكي نستوعب نموذجنا الثقافي يجب ان نحرره من رواسب الثقافة الغربية والتي لا تجد جذورا في بيئتنا العربية الاسلامية  ونرجع الى المرجعيات الكبرى التي ارتبطت بثقافتنا وهذه المرجعيات بلا شك بالنسبة لنا  هي الثقافة بما تنطوي من قيم دينية ودنيوية , روحية ومادية ذاتية ومعنوية…ان البناء المادي للبلدان الغربية كان في اغلبها على حساب انهيار بنائها المعنوي..تجربة اليابان تؤكد ان البناء المعنوي يمكن ان يساهم في تقدم البناء المادي فهذا القطب العلمي والاقتصادي مارس التحديث دون تغريب فخرجت الحداثة فيه من رحم ثقافته ومن خلال الحفاظ على إرثها الثقافي والحضاري تمكنت اليابان من اذهال العالم ففي الديانة البوذية التي يعتنقها أغلب سكانها  تقديس للعمل  الجماعي  والولاء للوطن وتكريس للأخلاق في الحياة العامة بالخصوص كذلك الأمر في الاسلام يمكن اعادة احياء هذه القيم قيمة العمل  و الحث على العلم  الإيثار و العمل التطوعي والعدل كلها قيم موجودة في منظومتنا الدينية الاسلامية ويمكن ان نعتمدها لاستنباط منوال تنمية  بديل على المجتمع الاستهلاكيعلينا تشكيل نموذج حضارة جديد لتونس الثورة وعلينا ان نبتكر مفاهيم خاصة بالثورة مثل مفهوم المحاسبة  و ان نحاول ان نكيّف المفاهيم مع الظرف الثوري والانتقالي و يتوجب علينا استيعابه والسيطرة عليه وعلى مساره الثوري من خلال بناء مجال سياسي واجتماعي وطني يجمع كل القوى الثورية لتلتف حول خط سياسي يحصل عليه التوافق و يحدد استراتيجية واضحة للتعامل مع الأوضاع الراهنة للبلاد و البعيدة المدى.